ابن رشد
174
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بعد حط الزيادة ، وعن الشافعي القولان : القول بالخيار مطلقا ، والقول باللزوم بعد الحط . فحجة من أوجب البيع بعد الحط أن المشتري إنما أربحه على ما ابتاع به السلعة لا غير ذلك ، فلما ظهر خلاف ما قال وجب أن يرجع إلى الذي ظهر ، كما لو أخذ بكيل معلوم فخرج بغير ذلك الكيل أنه يلزمه توفية ذلك الكيل . وحجة من رأى أن الخيار مطلقا تشبيه الكذب في هذه المسألة بالعيب ، أعني أنه كما يوجب العيب الخيار كذلك يوجب الكذب . وأما إذا فاتت السلعة فقال الشافعي : يحط مقدار ما زاد من الثمن وما وجب له من الربح ، وقال مالك : إن كانت قيمتها يوم القبض أو يوم البيع - على خلاف عنه في ذلك - مثل ما وزن المبتاع أو أقل فلا يرجع عليه المشتري بشئ ، وإن كانت القيمة أقل خير البائع بين رده للمشتري القيمة أو رده الثمن أو إمضائه السلعة بالثمن الذي صح . وأما إذا باع الرجل سلعته مرابحة ثم أقام البينة أن ثمنها أكثر مما ذكره وأنه وهم في ذلك وهي قائمة ، فقال الشافعي : لا يسمع من تلك البينة لأنه كذبها وقال مالك : يسمع منها ويجبر المبتاع على ذلك الثمن ، وهذا بعيد لأنه بيع آخر . وقال مالك في هذه المسألة : إذا فاتت السلعة أن المبتاع مخير بين أن يعطى قيمة السلعة يوم قبضها أو أن يأخذها بالثمن الذي صح فهذه هي مشهورات مسائلهم في هذا الباب . ومعرفة أحكام هذا البيع تنبني في مذهب مالك على معرفة أحكام ثلاثة مسائل وما تركب منها : حكم مسألة الكذب ، وحكم مسألة الغش ، وحكم مسألة وجود العيب . فأما حكم الكذب فقد تقدم . وأما حكم الرد بالعيب فهو حكمه في البيع المطلق . وأما حكم الغش عنده فهو تخيير البائع مطلقا ، وليس للبائع أن يلزمه البيع وإن حط عنه مقدار الغش كما له ذلك في مسألة الكذب ، هذا عند ابن القاسم . وأما عند أشهب ، فإن الغش عنده ينقسم قسمين : قسم مؤثر في الثمن ، وقسم غير مؤثر . فأما غير المؤثر فلا حكم عنده فيه . وأما المؤثر فحكمه عنده حكم الكذب . وأما التي تتركب فهي أربع مسائل : كذب وغش ، وكذب وتدليس ، وغش وتدليس بعيب ، وكذب وغش وتدليس بعيب ، وأصل مذهب ابن القاسم فيها أنه يأخذ بالذي بقي حكمه إن كان فات بحكم أحدهما أو بالذي بقي حكمه أو بالذي هو أرجح له إن لم يفت حكم أحدهما ، إما على التخيير حيث يمكن التخيير ، أو الجمع حيث يمكن الجمع ، وتفصيل هذا لائق بكتب الفروع ، أعني مذهب ابن القاسم وغيره .